
إن القراءة المتأنية للميدان تؤكد أن فكرة الذهاب نحو مواجهة مفتوحة وشاملة تظل بعيدة عن حسابات العواصم
الكبرى، رغم كل الضجيج اإلعالمي والتهديدات المتبادلة. فالواقع يشير إلى أن الضربات التي ُنفذت حتى اآلن اتسمت
بـ »االنضباط االستراتيجي » الصارم، حيث تم اختيار األهداف بدقة لضمان إيصال الرسائل الردعية دون كسر الخطوط
إقليميًا ال يطيق االقتصاد العالمي تحمله. إن غياب الحشود البرية الكبرى وامتناع
الحمراء التي قد تستدعي انفجارًا
الطرفين عن استهداف المراكز الحيوية المأهولة بشكل تدميري، يثبت أن الهدف ليس « الحرب من أجل الحرب »، بل
.هو محاولة إلعادة رسم حدود الردع التيتآكلت بفعل سنوات من االستنزاف المتبادل
لم يعد التحول الجذري في طبيعة الصراع بين طهران والكيان الصهيوني مجرد مناورة عسكرية عابرة، بل بات يمثل
أعاد هندسة قواعد االشتباك في المنطقة برمتها، من خالل االنتقال من « حروب الظل » والعمليات
زلزاًال جيوسياسيًا
االستخباراتية الصامتة إلى مرحلة المواجهة المباشرة والعلنّية فوق الجغرافيا السيادية. وتبرز المفارقة المركزية في
، وبين استمرار القنوات الدبلوماسية الخلفية، ما
هذا المشهد عند رصد التناقض الحاد بين كثافة النيران المتبادلة ميدانيًا
يطرح تساؤًال جوهريًا حول التوقيت والدوافع الحقيقية وراء هذا التصعيد؛ فهل نحن بصدد انزالق حتمي نحو حرب
لسياسة « حافة الهاوية »
منهجيًا
إقليمية شاملة تهدف إلى اإلفناء المتبادل، أم أن هذا االنفجار العسكري ليس إال تطبيقًا
التي تهدف عبرها األطراف لتحويل المكاسب الميدانية إلى أوراق ضغط قصوى على طاولة المفاوضات النووية
والسياسية؟


أما على الصعيد السياسي والدبلوماسي، فال يمكن فصل أزيز الصواريخ عن « الكواليس الهادئة » التي تجري في
عواصم مثل مسقط والدوحة؛ إذ تدرك طهران، التي بلغت مستويات متقدمة في تخصيب اليورانيوم، أن القوة
العسكرية هي الورقة الوحيدة القادرة على تحريك الركود في ملف العقوبات االقتصادية وانتزاع اعتراف بواقعها كقوة
إقليمية مهيمنة. وفي الجانب اآلخر، تبرز حاجة حكومة الكيان لتصدير أزماتها الداخلية ومحاولة جر اإلدارة األمريكية
نحو التزام أمني أكثر صرامة يقيد الطموح النووي اإليراني. إن السالح هنا ال ُيستخدم للهدم فقط، بل يعمل كبديل
للمسودات الورقية المتعثرة، حيث يسعى كل طرف عبر هذا التصعيد إلى رفع كلفة « الالاتفاق » وإثبات أن أي ترتيبات
.مستقبلية يجب أن تراعي موازين القوى التي فرضها الميدان
ويدخل عنصر الطاقة وجيوبوليتيك النفط ككابح أساسي يمنع تحول هذا الصراع إلى مواجهة مفتوحة؛ فالحقيقة التي
تدركها القوى الكبرى هي أن أي انقطاع في إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز سيعني كارثة اقتصادية عالمية وقفزة
أحمر لواشنطن والعواصم الغربية في عام .2026 هذا التوازن
جنونية في أسعار النفط، وهو ما يمثل خطًا
االقتصادي يفرض حالة من « الردع تحت سقف الحرب »، حيث تتحول الصواريخ إلى أدوات « دبلوماسية » لالبتزاز
واضحًا الستهداف منشآت النفط الحيوية، مقابل حرص
السياسي أكثر منها رغبة في التدمير المتبادل. لذا نالحظ تجنبًا
طهران على إبقاء التهديد بالمالحة كسالح ضغط فعال يضمن بقاء المجتمع الدولي في حالة استنفار لمنع االنفجار
وبالنظر إلى األبعاد العسكرية واألمنية، يتضح أن طهران أرادت إثبات أن وصول صواريخها البالستية ومسيراتها إلى
. هذه
عمق الكيان لم يعد مجرد احتمال نظري، بل هو واقع تقني قادر على تجاوز المنظومات الدفاعية األكثر تعقيدًا
« العمدية » في الهجوم المباشر تهدف إلى إنهاء مرحلة « الصبر االستراتيجي » وفرض معادلة جديدة تجبر الكيان ومن
خلفه واشنطن على إعادة حساباتهم تجاه أي استهداف للمصالح اإليرانية. وفي المقابل، يحاول الكيان الصهيوني عبر
إلى الغطاء الدفاعي األمريكي ومنظومات مثل « ثاد » لضبط
ردوده الجراحية استعادة هيبته التي تضررت، مستندًا
إيقاع المواجهة وضمان عدم انزالقها إلى مستوى يهدد وجوده، ما يجعل من هذا الصدام « مبارزة تحت سقف محدد »
.تهدف لتثبيت نفوذ كل طرف في النظام اإلقليمي الجديد
تخلص هذه القراءة إلى أن ما يشهده الشرق األوسط ليس انزالقًا عفويًا
لموازين القوى عبر « دبلوماسية الصواريخ ». لقد أصبحت القوة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة المتبقية لألطراف
للتعبير عن مطالبها السياسية بعد وصول الدبلوماسية التقليدية إلى طريق مسدود. اإلجابة عن سؤال « لماذا التصعيد
قبل
اآلن؟ » تكمن في رغبة األطراف في الخروج من حالة الركود عبر صدمة عسكرية محسوبة تفرض واقعًا جديدًا
المختبر الحقيقي لمستقبل المنطقة، حيث تحاول النيران هندسة اتفاقيات
أي تسوية قادمة. إن الميدان المشتعل هو حاليًا
ًا
، دون االنخراط في مغامرة الحرب
سياسية ونووية جديدة، تضمن لكل طرف الخروج بصورة « المنتصر » داخليًا
.الشاملة التي ال يطيق أحد تحمل نتائجها الكارثية





