حين تقول أوروبا ‘لا’ مبدأ أم مصلحة ؟

: بُعد الطاقة — الهروب من « السكتة » المالية

لم تتعافَ القارة العجوز بعد من استنزاف حرب أوكرانيا. واليوم، مع توقعات بتجاوز فاتورة واردات الطاقة 600 مليار يورو سنويًا، لم تعد أوروبا تملك ترف المغامرة. والأخطر أن مضيق هرمز ليس خطًّا ملاحيًا عاديًا، بل شريان الطاقة العالمي بامتياز؛ يمر عبره نحو 21% من إجمالي تجارة النفط العالمية وثلث صادرات الغاز المسال. أي اضطراب فيه سيُدخل الاقتصاد الأوروبي في ركود عميق فوري. ويزيد المشهد مرارةً أن هذه الحكومات ذاتها اضطرت إلى العودة الصامتة نحو الفحم، ضاربةً وعودها المناخية الكبرى عرض الحائط. الدخول في حرب تُغلق هرمز يعني انتحارًا اقتصاديًا لا تستطيع أي حكومة تبريره لناخبيها

البُعد الأمني والهجرة — « الساحة الخلفية » للصراع

تخشى ا. الذاكرة الأمنية لا تزال مثقلة بمخططات موثّقة استهدفت باريس وبرلين وكوبنهاغن، تربطها أجهزة الاستخبارات بشبكات مرتبطة بطهران. يُضاف إلى ذلك أن أوروبا، التي لا تزال تعالج تداعيات موجات اللجوء السورية والأفغانية، تعلم أن الحرب ستُطلق موجة نزوح جديدة بالملايين، في وقت يتصاعد فيه اليمين الشعبوي في فرنسا وألمانيا وإيطاليا مستغلًّا هذا الملف بالذات. الرفض هنا درعٌ وقائي لحماية الأمن الداخلي، لا احترام للقانون الإنساني

شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فيفري 2026 ضربات عسكرية واسعة على إيران، فأشعلت فتيل مواجهة إقليمية كبرى. ولم يتأخر النداء الأمريكي المعتاد؛ إذ طالب الرئيس ترامب الحلفاء الأوروبيين بمساندة عسكرية مباشرة وتأمين مضيق هرمز غير أن الرد جاء صاعقا في وضوp هذه ليست حربنا

دأبت أوروبا تاريخيا على السير في ركب واشنطن من كوريا إلى أفغانستان وصولا ا إلى العراق. أما اليوم، فقد خلعت ثوب التبعية المطلقة. فإذا كانت فرنسا ‘جان شيراك ‘قد غرّدت وحيدة عام 2003، فنحن نشهد اليوم « لا » جماعية موحّدة لم يسبق لحلف الناتو أن عرف مثيلها

أمام هذا التحول، يُطرح السؤال الجوهري: هل يعكس الرفض الأوروبي موقفا مبدئيا قانونيا حقيقيا؟ أم أنه مجرد براغماتية قسرية تفرضها أزمات الطاقة والاقتصاد وهواجس الأمن الداخلي؟

الوقائع تُسقط التفسير الأخلاقي؛ فأوروبا لم تُدِن الحرب كمبدأ، بل حصرت رفضها في الانخراط المباشر، وجاء موقفها ردَّ فعل بعد وقوع الضربات لا تحركا استباقيا لمنعها. الرفض في جوهره حسابٌ مصلحي معقد، تتقاطع فيه ثلاثة أبعاد استراتيجية.

ولادة أوروبا الجيوسياسية الجديدة 

يمثّل اجتماع قادة العشر في هلسنكي لحظةً فارقة. فرنسا وألمانيا تقودان جبهةً مقتنعة بأن هذه الحرب لا تخدم سوى أهداف انتخابية أمريكية ومصالح إسرائيلية، ولا ناقة لأوروبا فيها ولا جمل. هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم طويل بدأ برفض العراق 2003، وتعمّق مع انسحاب ترامب منفردًا من اتفاق المناخ والاتفاق النووي الإيراني عام 2018، ثم مع فوضى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. 

الاستقلالية الاستراتيجية باتت واقعًا ملموسًا: ميزانيات دفاعية متصاعدة، وصناعة عسكرية أوروبية مشتركة تُقلّص التبعية لواشنطن

إن « لا » الأوروبية لعام 2026 ليست موقفًا عابرًا، بل إعلانُ نضجٍ سياسي متأخر. أدركت أوروبا أن ثمن التبعية بات أغلى من قدرتها على السداد، وأن أمنها الطاقوي والمجتمعي لم يعد يحتمل الانخراط في حروب الآخرين.

في نهاية المطاف، لا ينبغي أن نُسبغ على الموقف الأوروبي أكثر مما يستحق. فهذه ليست صحوة ضمير، ولا ولادة مبدأ؛ بل هي ببساطة حسابُ رجلٍ يعرف حدوده. أوروبا لم تقل « لا » لأن الحرب ظالمة، بل لأن ثمنها باهظ. ومع ذلك، وفي عالم تحكمه المصالح لا الأخلاق، ربما تكون هذه « اللا » البراغماتية أكثر استدامة من أي موقف مبدئي. المهم ليس من أي دافع صدرت، بل أين ستأخذ أوروبا في المرحلة القادمة — نحو سيادة حقيقية، أم أنها مجرد تمرد مؤقت ريثما تعود التبعية في ثوب جديد؟

Répondre

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *