عادت العقوبات الأممية لتلقي بضلالها على إيران بعد عشر سنوات من ايقافها، فلقد قامت الترويكا الأوروبية بتفعيل « آلية الزناد » والتي تتضمن فرض ضغوطا اقتصادية وعسكرية مجحفة بتجميد الأصول الإيرانية في الخارج ووقف صفقات الأسلحة وفرض قيود على قطاعي النفط والبنوك ما سيدفع ايران لتقديم تنازلات بشأن ملفها النووي.
لا يستطيع الاقتصاد الإيراني الصمود و التكيف مع العقوبات الأممية ، فبعد أيام من دخول هذا القرار حيز التنفيذ هبط سعر الريال الإيراني إلى أدنى مستوياته مقابل الدولار الأميركي ولقد كان سعر الدولار الواحد يزيد قليلا على مليون ريال إيراني قبل تفعيل آلية الزناد. وبلغ سعر صرف الدولار في السوق السوداء غير الرسمية نحو 1.12 مليون ريال، بحسب ما أفاد به موقعي بونباست وألان تشاند في الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي.
عولت إيران في السنوات الأخيرة على الاتفاقيات الاقتصادية مع الصين وروسيا وانضمامها الى منظمة » شنغهاي للتعاون في الرابع من شهر جويلية 2023«
كما أعلن مركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني في الثالث عشر من أكتوبر المنقضي أنّ معدل النمو الاقتصادي للبلاد خلال النصف الأول من العام الإيراني 2025، بلغ 0.3-%
يرى رضوان قاسم مؤسس مركز بروجن للدراسات الاستراتيجية أن إعادة تفعيل العقوبات « ستضر بالاقتصاد الإيراني بشكل كبير جداً » و لقد حاولت إيران تجاوز هذه اللحظة في العديد من المرات بالتفاوض مع الغرب إلا أن محاولاتها لم تفلح سوى في كسب الوقت.

اضافة الى أن إيران عولت في السنوات الأخيرة على الاتفاقيات الاقتصادية مع الصين وروسيا وانضمامها الى منظمة شنغهاي للتعاون في الرابع من شهر جويلية 2023 وبحسب رضوان قاسم هذه الأدوات لم تكن ذات « فعالية كبرى لإعادة الاقتصاد إلى دورته الطبيعية » فالعقوبات الجديدة جاءت لتقضي على ما تبقى من الأمل وتضع الاقتصاد أمام أزمة حقيقية.
أضف الى ذلك أن دعم هذه الدول سيكون محدود و محكوما بمصالحها فلن تجازف أي منهما بمصالحها الاقتصادية و تجارتها العالمية فالصين مثلا تضع مصلحتها أولا و قد تتخلى عن استيراد النفط الذي يشكل مصدر الدخل الأساسي لإيران التزاما بتطبيق العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي كما فعلت مع كوريا الشمالية في 2017.
هذا يمكن أن ينعكس سلبا على ملف إعادة إعمار المنشآت النووية التي تضررت من الضربات الأمريكية الاسرائيلية بعد حرب 12يوما و الذي يفرض تكاليف تقدر بنصف تريليون دولار(تتجاوز500 مليار دولار) حسب موشه العاد، الباحث الاسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط و هذه مصاريف كبيرة جدا على خزينة تستنزفها العقوبات.
هنا تجد إيران نفسها أمام وضع فتاك فمن جهة العقوبات التي تستنزفها ومن جهة أخرى عجزها عن إعادة بناء برنامجها النووي بسبب التكاليف الباهظة التي يفرضها ملف إعادة إعمار المنشآت التي تمثل قطاع حيوي لإنتاج الكهرباء و المياه وتشغيل العديد من الوظائف بالاضافة سوف يزيد من أعباء المعيشة على الشعب الإيراني وهو ما يعني زيادة السخط والغضب من النظام الإيراني ومن هنا ستضطر إيران إلى الاستجابة للضغوط الأوروبية و تقديم تنازلات.
هل تقود العقوبات الأممية إلى مواجهة مع طهران
من ناحية أخرى، إيران في حاجة لخفض الارتدادات الداخلية المتصاعدة بسبب سياسة المماطلة التي تعتمدها في تسيير ملفها النووي ، فلقد وأعرب أطراف ينتمون للتيار الإصلاحي بأن الوضع الراهن ماهو الا نتيجة استمرار اتباع سياسات خاطئة معتبرين أن الانفتاح على الغرب والعودة لطاولات التفاوض و تقديم بعض التنازلات فيم يتعلق بالمشروع النووي هو السبيل لرفع العقوبات وإنهاء شبح الحرب والحفاظ على وحدة الأراضي والمصالح الوطنية. ارتفاع صدى الاحتقان الشعبي والمعارضة بسبب سياسة الحكومة في ادارة الملف النووي من شأنه أن يضعف استقرار النظام الحالي للبلاد وهو ما بدأ يتجلى في المظاهرات التي خرجت مؤخراً قبل الضربات التي استهدفت منشآت إيرانية
ما دفع إيران حاليا الى محاولة دراسة خفض تخصيب اليورانيوم و استئناف المحادثات مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية.
علاوة على ذلك العقوبات تخيف طهران من حدوث صراع عسكري جديد ، فبإعادة فرض العقوبات بتهمة عدم امتثال طهران لبنود الاتفاق النووي قد يوفر لإسرائيل فرصة للتصعيد ضد إيران ومنشآتها النووية، كما حدث في حرب أثني عشرة يوما عندما تحججت تل أبيب بانتهاء مهلة الشهرين التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إيران، لضرب المنشآت النووية الإيرانية.
العقوبات تخيف طهران من حدوث صراع عسكري جديد
يرى يوسف مولائي -أستاذ القانون الدولي بجامعة طهران في -حديثه للجزيرة -أن إدراج الملف الإيراني والملف النووي تحت الفصل السابع من الميثاق الأممي يعني أن مجلس الأمن الدولي يعتبر طهران تهديدا للسلم والأمن الدوليين، مما يبرر فرض عقوبات إضافية، بل والسماح باستخدام القوة العسكرية ضدها إذا اقتضت الضرورة.ويخلص للقول أن دونالد ترامب ونتنياهو يسعيان لخلق شرعية دولية لضرب البرنامج النووي الإيراني من جديد من خلال الترويج للرأي العام العالمي بأن المنشآت النووية الإيرانية « هدف عسكري مشروع » بسبب تخطي الجمهورية الإسلامية القوانين الدولية في ملفها النووي. » ما قد يفتح الطريق أمام إيران لعيش سيناريو لا يختلف كثيرا عن تجربة العراق.
ان ايران تدفع الى مشارف مأزق لا مفر منه، والعقوبات الأممية بما تحمله من تضييقات اقتصادية و استراتيجية يوصد أبواب الخلاص أمامها لتجد نفسها تتنازل عن درع ظنت أنه لن يمس.





